سيد محمد طنطاوي

274

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمقصود بالآية الكريمة : تقرير سنة من سننه - تعالى - التي لا تتخلف ، وأن النصر سيكون حليفا لأوليائه ، في الوقت الذي علمه وأراده . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ « 1 » . وقوله - تعالى - ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ « 2 » . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة لصفات المؤمنين الصادقين فقال : * ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه ورَسُولَه ) * . وقوله : * ( يُوادُّونَ ) * من الموادة بمعنى حصول المودة والمحبة . أي : لا تجد - أيها الرسول الكريم - قوما يؤمنون باللَّه واليوم الآخر حق الإيمان ، يوالون ويحبون من حارب دين اللَّه - تعالى - وأعرض عن هدى رسوله . والمقصود من هذه الآية الكريمة النهى عن موالاة المنافقين وأشباههم ، وإنما جاءت بصيغة الخبر ، لأنه أقوى وآكد في التنفير عن موالاة أعداء اللَّه ، إذ الإتيان بصيغة الخبر تشعر بأن القوم قد امتثلوا لهذا النهى ، وأن اللَّه - سبحانه - قد أخبر عنهم بذلك . وافتتحت الآية بقوله : * ( لا تَجِدُ قَوْماً ) * لأن هذا الافتتاح يثير شوق السامع لمعرفة هؤلاء القوم . وقوله : * ( ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ ) * تصريح بوجوب ترك هذه الموادة لمن حارب اللَّه ورسوله ، مهما كانت درجة قرابة هذا المحارب . أي : من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء اللَّه ورسوله ، ولو كان هؤلاء الأعداء . * ( آباءَهُمْ ) * الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم * ( أَوْ أَبْناءَهُمْ ) * الذين هم قطعة منهم . * ( أَوْ إِخْوانَهُمْ ) * الذين تربطهم بهم رابطة الدم * ( أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) * التي ينتسبون إليها ، وذلك لأن قضية الإيمان يجب أن تقدم على كل شيء . وقدم الآباء لأنهم أول من تجب طاعتهم ، وثنى بالأبناء لأنهم ألصق الناس بهم ، وثلث بالإخوان لأنهم الناصرون لهم ، وختم بالعشيرة لأن التناصر بها يأتي في نهاية المطاف .

--> ( 1 ) سورة غافر الآية 51 . ( 2 ) سورة الصافات الآيات 171 - 173 .